حبيب الله الهاشمي الخوئي
66
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الإباحة الواقعية ، فمعناه أنّ كلّ شيء مرخّص فيه من قبل الشارع حتّى يرد فيه نهى ، فالناس في سعة مما لم يعلم بورود نهى فيه . ثمّ انّ اصالة الإباحة كما تجرى في الأعيان مثل التفاح ونحوه بقوله : خلق لكم ما في الأرض جميعا ، فيباح الأفعال المتعلَّقة بها كذلك تجرى في الأفعال كالغنا مثلا ان فرض عدم قيام دليل على حرمته لقوله : احلّ لكم الطيبات ، فالأصل المذكور يجرى في القسمين المذكورين من دون تأمّل . وربّما يقال : باختصاص اصالة الإباحة بالأعيان وأنّ الأصل الدّال على حلَّية الأفعال يسمّى باصالة الحلّ فهما أصلان ناظران إلى موردين ونحن نقول إنّ ذلك لا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح لكن لا يختصّ أحدهما بالحجّية دون الآخر ضرورة أنّ الأدلة وافية بحجّيتهما معا وان كانا مختلفي المورد . وعلى ذلك فيمكن أن لا يجعل العطف في كلامه عليه السّلام تفسيريّا بأن يكون المراد بما أمرتم به وما نهيتم عنه الأعيان المباحة والمنهيّة ، وبما حلّ وما حرّم الأفعال المحلَّلة والمحرّمة . وكيف كان فلمّا أفصح عن كون المباح أوسع من المنهىّ والحلال أكثر من الحرام أمر بترك المحرّمات والمنهيّات فقال ( فذروا ) أي اتركوا ( ما قلّ لما كثر وما ضاق لما اتّسع ) يعني أنّه بعد ما كان الحرام قليلا والحلال كثيرا فلا حرج عليكم في ترك الأوّل وأخذ الثاني ، ولا عسر في ذلك وكذلك المباح والمحظور نعم لو كان الأمر بالعكس لكان التكليف أصعب ، ولكنّه سبحانه منّ على عباده بما بين السّماء والأرض ، وجعل الملَّة سمحة سهلة ، وما جعل في الدّين من حرج علما منه بضعف النفوس عن القيام بمراسم عبوديّته بمقتضى الجبلَّة البشريّة ، فسبحان الله ما أعظم مننه وأسبغ نعمه وأوسع كرمه . ثمّ نهى عن تقديم طلب الرّزق على الاشتغال بالعبادة وترجيحه عليه فقال ( قد تكفّل لكم بالرّزق وأمرتم بالعمل ) أما الأمر بالعمل فواضح ، وأمّا التكفّل بالرّزق فقد تقدّم الكلام فيه وفي معنى الرّزق بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الأوّل من فصول